فصل: مسألة لا زكاة في المال المستفاد حتى يحول عليه الحول:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة دية عين الأعور:

في دية عين الأعور قال مالك: كان سليمان بن يسار وربيعة بن أبي عبد الرحمن يقولان في دية عين الأعور إذا فقئت عينه ألف دينار.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، لأن منفعة الأعور بعينه الواحدة كمنفعة الصحيح بعينيه جميعا، فوجب أن يكون له في عينه الباقية ما للصحيح في عينيه جميعا. وقد اختلف على قياس هذا في الأعور العين اليمنى يفقأ عين الصحيح اليسرى أو الأعور العين اليسرى يفقأ عين الصحيح اليمنى على ثلاثة أقوال: أحدها أنه ليس له إلا القصاص إلا أن يصطلحا على شيء، والثاني أنه يخير بين أن يقتص أو يأخذ دية عينه خمسمائة دينار، والثالث أنه مخير بين أن يقتص أو يأخذ دية عين الأعور التي ترك ألف دينار. وقد مضى في رسم القطعان من سماع عيسى من كتاب الجنايات توجيه كل واحد من هذه الأقوال، وبالله التوفيق.

.مسألة ترك حلق الشعر وتقليم الأظفار إذا أهل هلال ذي الحجة:

فيما جاء في ترك حلق الشعر وتقليم الأظفار إذا أهل هلال ذي الحجة قال مالك: بلغني أن أم سلمة زوج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانت تقول: إذا استهل ذو الحجة فلا يأخذ أحد من شعره ولا من أظفاره. قال مالك: لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: قول أم سلمة هذا مروي عنها عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إذا رأيتم هلال ذي الحجة فأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره حتى يضحي». وفي بعض الآثار عنها عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من كان له ذبح يذبحه فإذا أهل هلال ذي الحجة فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئا حتى يضحي». وإنما لم ير بهذا بأسا لأنه عارضه عنده حديث عائشة إذ قالت ردا لقول ابن عباس: «من أهدى هديا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر الهدي: ليس كما قال ابن عباس: أنا قلدت قلائد هدي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيدي ثم قلدها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيده ثم بعث بها فلم يحرم عليه شيء مما أحله الله له حتى نحر الهدي» لأنه إذا لم يحرم على الذي بعث بالهدي شيء مما أحله الله له حتى ينحر الهدي، فأحرى ألا يحرم على الذي يريد أن يضحي أو عنده ذبح يريد أن يضحي به شيء مما أحله الله له حتى يضحي. وقد جمع بين الحديثين بعض من ذهب إلى الأخذ بحديث أم سلمة بأن قال: معنى حديث عائشة أنه لم يحرم على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شيء مما أحل الله له من أهله حتى نحر الهدي على ما جاء في بعض الآثار عنها وحرم عليه ما سوى ذلك من حلق الشعر وقص الأظفار على ما جاء في حديث أم سلمة، وبالله التوفيق.

.مسألة امتشاط الحاد بالحناء واكتحالها بالصبر:

في امتشاط الحاد بالحناء واكتحالها بالصبر قال مالك: بلغني أن أم سلمة زوج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانت تنهى أن تمتشط الحاد بالحناء، وتكتحل بالصبر.
قال محمد بن رشد: إنما كانت أم سلمة تنهى الحاد عن الاكتحال بالصبر لما جاء من «أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دخل عليها وهي حاد على أبي سلمة وقد جعلت على عينها صبرا، فقال ما هذا يا أم سلمة؟ فقالت: إنما هو صبر يا رسول الله، قال: اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار، فقالت لامرأة حاد على زوجها اشتكت عينها فبلغ ذلك منها اكتحلي بكحل الجلاء بالليل وامسحيه بالنهار» وقالت: تجمع الحاد رأسها بالسدر والزيت، وهو الذي ذهب إليه مالك أنها لا تمتشط إلا بالسدر وما أشبهه مما لا يختمر في رأسها وبالله التوفيق.

.مسألة الترغيب في السواك:

في الترغيب في السواك قال: وحدثني عن محمد بن يحيى بن حبان قال: أدركت رجالا من أسلم كانت معهم أسوكة يستاكون بها لكل صلاة.
قال محمد بن رشد: السواك مرغب فيه ومندوب إلية لقول النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ: «عليكم بالسواك» وقوله: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك». وقد قال أبو هريرة: «لولا أن يشق على أمته لأمرهم بالسواك مع كل وضوء». والأصبع يجزئ من السواك إذا لم يجد سواكا، قاله مالك في رسم المحرم يتخذ الخرقة لفرجه من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة. وقد مضى هناك القول على وجه ذلك وبالله التوفيق.

.مسألة البناء في الرعاف:

في البناء في الرعاف قال مالك وبلغني أن ابن عباس كان يبني في الرعاف على ما صلى.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في بناء الراعف وقطعه في رسم طلق بن حبيب. وظاهر قول ابن عباس هذا أنه كان يبني فذا كان أو في جماعة، وفي ذلك بين من اختار البناء على القطع اختلاف، وبالله التوفيق.

.مسألة الإبراد في الحر بالصلاة:

في الإبراد في الحر بالصلاة قال مالك: قال عمر بن الخطاب لأبي محذورة: إنك بأرض حارة فأبرد فكأني عندك.
قال محمد بن رشد: إنما أمره بالإبراد وهو التأخير لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم» وذكر أن النار الحديث. وقد اختلف العلماء في هذا المعنى، فقال أبو الفرج: اختار مالك رَحِمَهُ اللَّهُ لجميع الصلوات أول أوقاتها إلا الظهر في شدة الحر لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة» فقال: إن هذا هو مذهب مالك، ولم يفرق بين الجماعة والفذ على ظاهر الحديث، خلاف ما في المدونة من أنه استحسن أن يصلي الناس، يريد الجماعة الظهر في الشتاء والصيف إذا فاء الفيء ذراعا، والمعنى في ذلك أنه تأول أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنما أمر بالإبراد بالصلاة في شدة الحر ليدرك الناس الصلاة، فلما كان المعنى عنده في الأمر بالإبراد الرفق بالناس ليدركوا الصلاة في الجماعة رأى من الرفق بهم أن تؤخر الصلاة في الشتاء أيضا حتى يفيء الفيء ذراعا ليدرك الناس الصلاة على ظاهر ما كتب به عمر ابن الخطاب إلى عماله من أن يصلوا الظهر إذا فاء الفيء ذراعا، فعم ولم يفرق بين الشتاء والصيف، وإن كان الرفق بالناس في ذلك في المصيف أكثر منه في الشتاء. وأما المنفرد على ما في المدونة فأول الوقت أفضل له على ما كتب به عمر إلى أبي موسى الأشعري أن صل الظهر إذا زاغت الشمس، لأن معناه في المنفرد، لئلا يتعارض ما كتب به إلى عماله مع ما كتب به إليه. وقد حمل ابن عبد البر ما في المدونة على أنه استحب للمنفرد والجماعة أن يؤخروا الظهر في الشتاء والصيف إلى أن يفيء الفيء ذراعا، وهو تأويل ليس بصحيح. وقال الليث بن سعد: يصلي الصلوات كلها الظهر وغيره في أول الوقت في الشتاء والصيف، وهو أفضل، وكذلك قال الشافعي إلا أنه استثنى فقال: إلا أن يكون إمام جماعة ينتاب من المواضع البعيدة فإنه يبرد بها يريد في الحر، قال: لأن أمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان بالمدينة لشدة حر الحجاز، ولأنه لم يكن بالمدينة مسجد غير مسجده، فكان ينتاب من بعد فيتأذون بشدة الحر فأمرهم بالإبراد لما في الوقت من السعة. وقال العراقيون: يصلي الظهر في الشتاء والصيف في أول الوقت، واستثنى أصحاب أبي حنيفة شدة الحر.
فيتحصل في الإبراد بصلاة الظهر في الصيف إلى أن يفيء الفيء ذراعا وهو وسط الوقت، لأن طول المدة من زوال الشمس إلى أن يفيء الفيء ذراعا مثل طولها من حين يفيء الفيء ذراعا إلى آخر القامة لإبطاء الظل بالسير في أول القامة وإسراعه في آخرها، أربعة أقوال: أحدها استعمال الإبراد في الجماعة والانفراد، والثاني ترك الإبراد في الجماعة والانفراد، والثالث ترك الإبراد في الانفراد دون الجماعة، والرابع ترك الإبراد إلا في الجماعة في المسجد الذي ينتاب من بعد. وأما الإبراد بالظهر في الشتاء ففي ذلك في الجماعة قولان، وأما المنفرد فلا يبرد قولا واحدا، وبالله التوفيق.

.مسألة إطالة صلاة الصبح مع الإسفار:

في إطالة صلاة الصبح مع الإسفار قال مالك: سافر أبو بكر بن عبد الرحمن، وكان قد كف بصره، فصلى الصبح وقد أسفر يقرأ فيها ببراة.
قال محمد بن رشد: معناه أنه أسفر بها عن الوقت الذي جرت عادته أن يصليها فيها من التبكير، لا أنه أسفر بها إلى قرب طلوع الشمس، إذ لو أسفر بها إلى قرب طلوع الشمس لما جاز له أن يقرأ فيها ببراءة، وبالله التوفيق.

.مسألة الضحية في السفر:

في الضحية في السفر قال مالك: بلغني أن رجلا كان مسافرا وأنه أدركه النحر في السفر فمر براع على رأس جبل فقال له: عندك شاة تبيعها؟ قال له الراعي: نعم، فاشترى منه شاة ثم قال: أضجعها فاذبحها ثم شأنك بها. قال: فقال الراعي: اللهم تقبل مني، قال: ربك أعلم بمن أنزلها من رأس الجبل.
قال محمد بن رشد: حكى ابن حبيب عن أصبغ أنه قال: إنما في هذا الحديث أن ابن عمر ضحى في السفر، وأما المبالغة فيما فعل مع الراعي على طريقة الفقه فلا تجزئ عنه وتجزئ عن الراعي ويضمن قيمتها له فيضحي بغيرها، كمن تعدى على ضحية رجل فذبحها عن نفسه.
وتابعه الفضل على تأويله فقال: بل لا تجزئ عن واحد منهما على أصله المتقدم، وليس ذلك بصحيح، لأن الراعي لم يتعد على ابن عمر في ذبح ضحيته، وإنما ذبحها بأمره وهو حاضر مستنيب له في ذلك، فوجب أن تكون النية في ذلك نيته لا نية الذابح، كمن أمر رجلا أن يوضئه فوضأه فالنية في ذلك نية الآمر الموضأ لا نية المأمور الموضىء. ألا ترى أنه لو نوى فيها لابن عمر خلاف نيته من ذبحه إياها على أنها شاة لحم لم يؤثر ذلك في نيته، وإنما قوله فيما ذبح لغيره وبأمره اللهم تقبل مني، بمنزلة اللهم تقبل مني صلاة فلان وصيامه، فذلك لغو ودعاء غير مقبول. على أنه يحتمل أن يكون الراعي إنما أراد اللهم تقبل مني عملي في ذبحي الذبيحة عنه ومعونتي إياه على نسكه ولا تحرمني الأجر في ذلك ولعله ظن بجهله أن الأجر في ذلك له لا لابن عمر إذ تولى هو ذبحها عنه، وفهم ذلك عنه ابن عمر، ولذلك قال: ربك أعلم بمن أنزلها من رأس الجبل. ولو رأى ابن عمر أنها لا تجزئه لما قال للراعي يضحي بغيرها. وهذا كله بين، وفيه دليل لقول أشهب في النصراني أو اليهودي يذبح ضحية رجل بأمره أنها تجزئه وبئس ما صنع. وقد مضى هذا في أول رسم من سماع أشهب من كتاب الضحايا، وبالله التوفيق.

.مسألة توقيت عمر ذات عرق لأهل المشرق:

في توقيت عمر ذات عرق لأهل المشرق قال مالك: وقت عمر بن الخطاب ذات عرق لأهل المشرق.
قال محمد بن رشد: في هذا جواز الاجتهاد فيما لا نص فيه، وذلك أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما وقت المواقيت لأهل الآفاق وسكت عن العراق، وقت لها عمر باجتهاده ذات عرق، فكان ذلك منه سنة وجب اتباعه فيها، لقول النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهتدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ» وبالله التوفيق.

.مسألة دعاء الملائكة للإنس وعليهم:

في دعاء الملائكة للإنس وعليهم قال مالك: بلغني أن في السماء ملكين يقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا وأعط ممسكا تلفا، ويقول الآخر: ويل للرجال من النساء وويل للنساء من الرجال. قال عيسى قلت لابن القاسم: يريد وجه الفجور؟ قال: نعم وغير ذلك مما يكون بين الرجال ونسائهم في غير وجه الفجور.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين، فينبغي لمن أمسك أن يتوقع ذهاب ماله لإجابة دعوة الملك، ولمن أنفق بغير سرف ولا تعد أن يرجو الخلف من الله بإجابة دعوة الملك. وقد أثنى الله عز وجل على من أنفق على عياله وعلى نفسه بغير إسراف ولا إقتار فقال عز وجل: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67] ووعدهم بما وعدهم به من قوله: {أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا} [الفرقان: 75] إلى آخر السورة. والويل قيل فيه إنه واد في جهنم يسيل من عصارة أهل النار في النار، فينبغي للنساء والرجال أن يتوقعوا هذا الوعيد حتى لا يتعدى بعضهم على بعض في وجه من الوجوه، وبالله تعالى التوفيق.

.مسألة أمر عمر بن الخطاب بكتب الناس للعطاء:

في أمر عمر بن الخطاب بكتب الناس للعطاء قال مالك: قال عمر بن الخطاب لابن الأرقم: اكتب لي الناس، فكتبهم، ثم جاء بهم فقال أكتبتهم؟ قال: نعم قد كتبت المهاجرين والأنصار والمهاجرين من العرب والمحررين، فقال عمر: لعل ثم رجل ليس هاهنا أحد من قومه لم تكتبه فارجع فاكتبه.
قال محمد بن رشد: قال في هذه الحكاية من المدونة: ارجع فاكتب فلعلك تركت رجلا لم تعرفه، أراد ألا يترك أحدا. فهذا مما يدل على أن عمر بن الخطاب كان يقسم لجميع المسلمين. وقد قال رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ما أحد من المسلمين إلا وله في هذا المال حق أعطيه أو منعه حتى لو كان راعيا وراعية بعدن. قال ابن القاسم: ورأيت مالكا يعجبه هذا الحديث، وبالله التوفيق.

.مسألة معنى قول الله عز وجل وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا:

في قول الله عز وجل: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} [الحجرات: 9]:
قال مالك عن محمد بن أبي بكر عن أبيه عن عائشة أنها قالت: ما رأيت مثل ما ترك الناس من هذه الآية: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} [الحجرات: 9].
قال محمد بن رشد: روي عن عبد الله بن عباس أنه قال في تأويل هذه الآية: إن الله عز وجل أمر نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه إذا ما اقتتلت طائفتان من المؤمنين أن يدعوهم إلى حكم الله وينصف بعضهم من بعض، فإن أجابوا حكم فيهم بكتاب الله عز وجل حتى ينصف المظلوم من الظالم، فمن أبى منهم أن يجيب فهو باغ وحق على الإمام أن يجاهدهم ويقاتلهم حتى يفيئوا إلى أمر الله ويقروا بحكم الله.
وروي أن هذه الآية نزلت في طائفتين من الأوس والخزرج اقتتلتا في بعض ما تنازعتا فيه. وروي «أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أقبل على حمار حتى وقف في مجلس من مجالس الأنصار، فكره بعض القوم موقفه، وهو عبد الله بن أبي ابن سلول، فقال: خل لنا سبيل الريح من نتن هذا الحمار أف وأمسك أنفه، فمضى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وغضب له بعض القوم وهو عبد الله بن رواحة، فقال: ألرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قلت هذا القول؟ فوالله لحماره أطيب ريحا منك فاستبا ثم اقتتلت عشائرهما، فبلغ ذلك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأقبل يصلح بينهم، فكأنهم كرهوا ذلك فنزلت هذه الآية: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9] إلى آخر الآية» فأرادت عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بقولها والله أعلم: ما رأيت مثل ما ترك الناس في هذه الآية نسبة التقصير إلى من أمسك من الصحابة عن الدخول في الحروب التي وقعت بينهم واعتزلهم وكف عنهم ولم يكن مع بعضهم على بعض، ورأت أن الحظ لهم والواجب عليهم إنما كان في أن يروموا الإصلاح بينهم، فإن لم يقدروا عليه كانوا مع من يقتضيه نظرهم أنه على الحق منهم على ما تقتضيه الآية.
وإنما أمسك من أمسك منهم عن نصر بعضهم على بعض طلبا للخلاص والنجاة مما شجر بينهم، إذ لم يبن لهم من كان على الحق منهم والله أعلم، فكان فرضهم ما فعلوه من الإمساك، إذ لا يحل قتال مسلم بشك، كما كان فرض كل من قاتل منهم ما فعله من القتال لاعتقاده أنه مصيب باجتهاده، فكلهم محمود على ما فعله: القاتل منهم والمقتول في الجنة. فهذا الذي يجب على كل مسلم أن يعتقده فيما شجر بينهم، لأنهم قد أثنى الله عليهم في كتابه وعلى لسان رسوله، فقال عز من قائل: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110] وقوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [البقرة: 143]، أي خيارا عدولا. وقال عز وجل: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29] الآية، وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أصحابي كالنجوم فبأيهم اقتديتم اهتديتم» وقال: «عشرة من قريش في الجنة فسمى فيهم عليا وطلحة والزبير». والذي يقول به أهل السنة والحق أن عليا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ومن اتبعه كان على الصواب والحق، وأن طلحة والزبير كانا على الخطأ إلا أنهما رأيا ذلك باجتهادهما وكان فرضهما ما فعلاه إذ هما من أهل الاجتهاد. ومن الناس من يجعل المسألة من مسائل الاجتهاد ويقول: كل مجتهد فهو مصيب كسائر الأحكام، وليس ذلك بصحيح. ومن أئمة المعتزلة من يقف في علي وطلحة والزبير وعائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فيقول: لا ندري من المصيب منهم من المخطئ؟ ومن الناس من يقول: إن من خالف عليا كان على الخطأ والعصيان إلا أنهم تابوا ورجعوا إلى موالاة علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قبل أن يموتوا، واستدلوا على ذلك برجوع الزبير، وندم عائشة وبكائها إذ ذكر لها يوم الجمل، وقول طلحة لشاب من عسكر علي وهو يجود بنفسه: امدد يدك أبايعك لأمير المؤمنين. والذي قلناه من أنهم اجتهدوا فأصاب علي وأخطأ طلحة والزبير هو الصحيح الذي يلزم اعتقاده، فلعلي أجران لموافقته الحق باجتهاده، ولطلحة والزبير أجر واحد لاجتهادهما. وقد مضى هذا في أول هذا السماع من كتاب المحاربين والمرتدين، والله الموفق للصواب برحمته.

.مسألة معنى قول الله عز وجل نساؤكم حرث لكم:

في معنى قول الله عز وجل: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223].
قال مالك عن ابن المنكدر عن جابر بن عبد الله أن يهود كانت تقول من وطئ امرأته من ورائها جاء ولده أحول، فأنزل الله تبارك وتعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223].
قال محمد بن رشد: المعنى في قوله عز وجل: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} [البقرة: 223] أي موضع حرثكم ومزدرع أولادكم. وقد اختلف في معنى قوله: {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223] فقيل معناه كيف شئتم مقبلة أو مدبرة أو باركة في موضع الولد، لأن الوطء لا يكون إلا في موضع الولد، كما أن الحرث لا يكون إلا في موضع الزرع، وهو الذي يدل عليه سبب نزول الآية على ما جاء في حديث جابر المذكور.
وقيل معناه متى شئتم من ليل أو نهار، روي ذلك عن ابن عباس، وروي عنه أيضا أنه قال: معناه {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223] إن شئتم فاعزلوا، وإن شئتم فلا تعزلوا. وقيل معنى أنى شئتم حيث شئتم إن شئتم في القبل وإن شئتم في الدبر. روى نافع عن ابن عمر أنه قرأ يوما: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223] فقال أتدري فيما نزلت هذه الآية؟ قال: قلت لا. قال: أنزلت في وطء النساء في أدبارهن. روى أبو زيد عن ابن القاسم عن مالك أنه قال له: يا أبا عبد الله إن الناس يروون عن سالم كذب العلج أو العبد على أبي، فقال مالك: أشهد على يزيد بن رومان أنه أخبرني عن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر مثل ما قال نافع، فقيل له: إن الحارث ابن يعقوب يروي عن أبي الحباب سعيد بن يسار أنه سأل ابن عمر عن ذلك فقال: أف أف، أيفعل ذلك مؤمن أو قال مسلم؟ فقال مالك: أشهد على ربيعة لأخبرني عن أبي الحباب عن ابن عمر مثل ما قال نافع. وسيأتي في أول رسم من سماع عيسى القول فيما روي عن مالك في هذه المسألة، وبالله التوفيق.

.مسألة ما للعبد إذا نصح لسيده:

فيما للعبد إذا نصح لسيده قال مالك: بلغني أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إذا نصح العبد لسيده وأحسن عبادة ربه كان له أجره مرتين».
قال محمد بن رشد: معناه كان له أجران: أجر في عبادة ربه، وأجر في خدمة سيده. وروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل آمن بنبيه ثم أدرك النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ فآمن به، وعبد عبد ربه ونصح لسيده، ورجل كانت له جارية فأدبها وأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها». وبالله التوفيق.

.مسألة الرضى بقدر الله عز وجل:

في الرضى بقدر الله عز وجل وقال مالك: كان عمر بن عبد العزيز يقول ما لي هوى إلا في مواقع حكم الله.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا رضاه بما يقع من أحكام الله تعالى التي حكم بها وقدرها. ويحتمل أن يكون معنى قوله إنه لا رغبة له ولا هوى في الحكم على أحد إلا بما يوجبه الحكم الذي افترضه الله جل وتعالى على عباده، وبالله التوفيق.

.مسألة حكم الغيبة:

في الغيبة وفي الحديث سئل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن معنى الغيبة فقال: إذا قلت ما يكره أن يسمع.
قال محمد بن رشد: الغيبة محرمة بنص القرآن، قال الله تعالى: {وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ} [الحجرات: 12]. ومعنى لا يغتب بعضكم بعضا لا يقل بعضكم في بعض بظهر الغيب ما يكره القول فيه أن يقال له في وجهه.
وروي عن أبي هريرة أنه قال: «سئل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الغيبة فقال: هو أن تقول في أخيك ما فيه فإن كنت صادقا فقد أغتبته وإن كنت كاذبا فقد بهته».
وجاء في بعض الآثار «أن امرأة دخلت على عائشة فلما قامت لتخرج أشارت عائشة بيدها إلى النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ أي أنها قصيرة، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اغتبتها». وقال معاوية بن قرة: لو مر عليك رجل أقطع فقلت: إنه أقطع كنت اغتبته. ومعنى قول الله عز وجل: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ} [الحجرات: 12] يقول: أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه بعد مماته، فإن لم تحبوا ذلك وكرهتموه لأن الله حرم ذلك عليكم فكذلك لا تحبوا أن تغتابوه واكرهوا غيبته حيا كما كرهتم لحمه ميتا، فإن الله حرم غيبته حيا كما حرم لحمه ميتا، وبالله التوفيق.

.مسألة ما جاء من أسماء النبي عليه السلام:

فيما جاء من أسماء النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ قال: وقال مالك عن ابن شهاب عن محمد بن جبير بن مطعم أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لي خمسة أسماء أنا أحمد، وأنا محمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، يريد يتبعونني، وأنا العاقب».
قال محمد بن رشد: ليس في قول النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ لي خمسة أسماء دليل على أنه لا أسماء له غيرها، إذ لا ينتفي عنه بذكر بعض أسمائه وإن ذكر عددها سائرها، وهذا كما تقول في فلان ثلاث خصال وهي كذا وكذا فلا تنفي بذلك أن لا يكون له خصال سوى الثلاث التي ذكرتها، لأن أسماءه هذه الخمسة مشتقة من صفاته، فلا يمتنع أن يكون له أسماء سواها مشتقة من صفاته، بل قد جاء ذلك فروي هذا الحديث من رواية محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه وزاد فيه: وقد سماه الله عز وجل رؤوفا رحيما. وروي في أسمائه أيضا المقفي، ونبي التوبة في التوراة ونبي الملحمة، وسماه الله عز وجل خاتم النبيين. وجائز أن يضاف إلى هذه الأسماء المروية سواها مما هو مشتق من صفاته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأن هذه أيضا مشتقة من صفاته: محمد وأحمد من الحمد، والماحي من أن الله يمحو به الكفر كما قال في الحديث، ويمحو به ذنوب من اتبعه، والحاشر من أن أمته تنحشر إليه يوم القيامة وتتبعه فتكون قدامه وخلفه وعن يمينه وعن شماله، والعاقب من أنه آخر الأنبياء، والمقفي من أنه قفى من قبله من الأنبياء، وخاتم النبيين مثله في المعنى، وسمي نبي التوبة لأن الله تاب به على من تاب من عباده، وسمي نبي الملحمة لأنه بعث بالقتال على الدين، وبالله التوفيق.

.مسألة لا زكاة في المال المستفاد حتى يحول عليه الحول:

في أنه لا زكاة في المال المستفاد حتى يحول عليه الحول قال مالك بلغني عن علي بن أبي طالب أنه قال: ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول.
قال محمد بن رشد: هذا مروي عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ أنه قال: «ليس في المال المستفاد زكاة حتى يحول عليه الحول» وهذا ليس على عمومه في جميع الأموال المستفادة، لأنه يخصص من ذلك الحبوب والثمار لقول الله عز وجل: {كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] ويخصص من ذلك أيضا على قول مالك ما يخرج من المعدن بالقياس على الحبوب والثمار لأنه يعتمل كما يعتمل الزرع وينبت في الأرض كما ينبت الزرع؛ ويخصص من ذلك أيضا نماء الماشية فتزكى على أصولها ولا يستقبل به الحول، لقول النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ «كل ذات رحم فولدها بمنزلتها». واختلف قول مالك في أرباح الأموال هل تزكى على أصل المال أم لا اختلافا كثيرا، وقد مضى الكلام على هذا في سماع أشهب من كتاب الزكاة، وبالله التوفيق.

.مسألة حمل السلاح على المسلمين:

ما جاء في من حمل السلاح على المسلمين قال مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حمل علينا السلاح فليس منا».
قال محمد بن رشد: قوله ليس منا، معناه ليس على مثل هدينا وطريقتنا، لا أن من حمل السلاح على المسلمين من المسلمين محاربا لهم على أموالهم فإنه يكون بذلك خارجا عن ملة الإسلام، وهذا نحو قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من غشنا فليس منا» «ومن لم يرحم صغيرنا ولا وقر كبيرنا فليس منا» وما أشبه هذا كثير، وبالله التوفيق.